يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

231

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

وزيف قول من قال : إنها معان مختلفة ، كالأحكام والأمثال والقصص وغير ذلك . وقال : ذلك خطأ لأنه لا يجوز إبدال آية أمثال بآية أحكام ، قال اللّه تعالى : قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي [ يونس : 15 ] ، وكذلك زيف قول من قال : إن المراد به إبدال خواتم الآي ، فيجعل مكان ( غفور ) ( رحيم ، سميع ، بصير ) ، ما لم يناقض المعنى ، فيبدل آية رحمة بآية عذاب ، قال : وهذا أيضا فاسد لأنه قد استقرّ الإجماع على منع تغيير القرآن ، ولو زاد أحد من المسلمين حرفا أو كلمة أو نقص أخرى أو خفّف مشدّدا أو شدّد مخفّفا لبادر الناس إلى إنكاره ، فكيف بإبدال كثير من كلماته ، وإذا فسد هذا فينبغي أن تعلم أن الحرف في اللغة هو الرطف والناحية ، ومنه حرف الوادي ، أي طرفه وناحيته ، ومنه تسميتهم الشكل المنقطع من حروف المعجم حرفا ، لأنه ناحية من الكلام وطرف ، ولا بدّ من حمل الحديث على وجه يجوز إبدال بعضه من بعض ، فلم نجد إلا أنه نحو الترقيق والتفخيم والإظهار والإدغام والهمز والتسهيل والفتح والإمالة ، فهذا لا يغيّر المعنى ، واللّه أعلم . والحرف في اللغة أيضا : حرف الشيء ، مثل الجبل وغيره ، تقول : انحرف الرجل وتحرّف واحرورف ، إذا مال عن الشيء ، وأما الحرف بالضم : فحبّ الرشاد ، والحرف أيضا : الحرمان ، والمحارف المحروم ، وهو خلاف قولهم : مبارك ، وقد حورف كسب فلان : إذا شدّد عليه في معاشه كأنه ميل برزقه عنه . وفي حديث ابن مسعود رضي اللّه عنه : موت المؤمن بعرق الجبين ، تبقى عليه البقية من الذنوب فيحارف بها عند الموت ، أي يشدّد عليه لتمحص عليه ذنوبه . والحرفة : الصناعة ، والمحترف : الصانع ، وفلان حريفي : أي معاملي . قال الأصمعي : هو يحرف لعياله ، أي يكتسب من ها هنا وهنا مثل يغرف ، وتحريف الكلام عن مواضعه : تغييره ، وتحريف القلم قطه محرّفا وانحرف عنه وتحرّف واحرورف : مال وعدل ، والحرف بالفتح أيضا : الناقة الصلبة ، ويقال : الهزيلة ، ولبعض أصحابنا يلغز في الحروف التي هي جمع حرف ، يعني النوق المتعبة في السفر : وقائلة ولم تلفظ بحرف * وكم لفظت حروفا أضمرتها عوامل دائبا رفعا ونصبا * وخفضا في معاني أضمرتها يعني بالقائلة : الهاجرة ، وبالحروف : الإبل التي أضعفها العمل حتى أضمرت جسومها لكثرة السير في المرتفع من الأرض والمطمئن والمنخفض ، حتى لفظتها يعني طرحتها وألقتها عنها مهزولات مضمرات ، والمعاني التي أضمرتها هي ما نوتها في سيرها من صنوف المآرب وضروب المنافع .